حين يتحول القانون من "عصا غليظة" إلى بوصلة استثمارية للمقاولات

​طالما نظر المجتمع، وحتى بعض رواد الأعمال، إلى القانون باعتباره مجموعة من القيود الصارمة، أو “عصاً غليظة” لا تُشهر إلا عند وقوع النزاع أو تعثر المشروع. هذه النظرة التقليدية القاصرة عطلت طويلاً الكثير من الطاقات الاستثمارية، وجعلت العلاقة بين عالم المال وعالم القضاء علاقة توجس ورهبة، بدلاً من أن تكون علاقة تكامل وشراكة حقيقية تضمن استمرارية المؤسسات.
​في مشهدنا المعاصر، ومع الطفرة التي تشهدها المقاولات والمؤسسات المصغرة والناشئة، بات لزاماً علينا إحداث انقلاب فكري حقيقي في مقاربة العمل القانوني. فالقانون الحديث ليس مجرد نصوص صماء وُجدت للعقاب أو لفض النزاعات المتأخرة، بل هو مهندس استراتيجي وبوصلة أمان تُرسم على أساسها مسارات النمو، وتُحصن بها الأصول من تقلبات السوق ومخاطرها الكامنة.
​إن المستثمر الذكي والواعي اليوم لم يعد يرى في المحامي مجرد مدافع يتدخل “بعد الفوات” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في أروقة المحاكم، بل يعتبره شريكاً استباقياً يصيغ خط الدفاع الأول للمؤسسة. فمن دقة صياغة العقود التمهيدية وشروطها الجزائية، إلى التحصين المسبق لحقوق الملكية الفكرية، وانتهاءً بتبني آليات مرنة لفض النزاعات (كالوساطة والتحكيم)، يمثل الوعي القانوني المبكر الفارق الحاسم بين مؤسسة تعبر عواصف السوق بأمان، وأخرى تنهار عند أول مطب تعاقدي.
​علاوة على ذلك، فإن دعم المقاولات لا يمكن أن يقتصر على الجوانب المالية أو التسهيلات الإدارية وحدها؛ بل يكتمل ويؤتي ثماره الحقيقية عندما يتم ترسيخ “ثقافة الوقاية القانونية” في جذور الفكر المقاولاتي. فحين يكون المسير على دراية تامة بالتشريعات المؤطرة لنشاطه، يتحول القانون من عبء إضافي إلى أداة تنافسية قوية تمنحه المصداقية أمام الشركاء والممولين.
​إننا بحاجة ماسة إلى بيئة اقتصادية تدرك أن الاستثمار الناجح لا يُبنى أبداً على رمال متحركة من الارتجال، بل يُشيّد على قواعد صلبة من اليقين القانوني. وحين تدرك المقاولات أن القانون هو درعها الحامي وليس قيداً على إبداعها، ستتحول بيئتنا الاقتصادية من فضاء محفوف بالمخاطر والتوجس إلى بيئة جاذبة، آمنة، ومستدامة.

​دكتورة / سامية هميسي
محامية مختصة في قضايا ومنازعات المؤسسات – رئيس فرع مجموعة حقوق الدولية بدولة الجزائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *